أقلام

الجزائريون يتاجرون بالقضية الفلسطينية

  •  بقلم … سمير خلف الله

هناك من يدعي بأن الجزائريين ما هم إلا أصحاب شعارات ، وأنهم يتاجرون بالقضية الفلسطينية . ونحن نعتقد بأن هذا الموقف ، يوشي بجهل صاحبه بصور التضامن الجزائري الفلسطيني . وفي هذا المقال لن نستعرض كل أنواع الدعم الذي قدمته الجزائر لإخواننا الفلسطينيين ، وإنما سنتوقف عند بعض المحطات الرئيسية . ونحن هنا لا نمُنُّ عليهم ، ولا نزايد على أشقائنا العرب ، فيما يخص دعمهم للقضية الفلسطينية . ولكن تلك التعليقات والتساؤلات الغبية ، والاستفزازات غير المبررة . هي من حملتنا على كتابة هذه الأسطر ، كما أنه من حق المفتري عليه أن يوضح وجهة نظره . خاصة إذا كان الطرف الآخر ، من عشاق الدعاية المغرضة المبنية على ترويج الأكاذيب  .

بداية نقول بأن الجزائر قدمت لفلسطين النموذج الحي ، الذي يحتذي به . وهي من عانت من استعمار استيطاني بغيض يماثل الاحتلال الصهيوني ، وثورتها أكدت وأثبتت للفلسطينيين من أنه لا مجال للشك . فهم حتما سيسترجعون بلادهم ، متي ساروا على نهج أحرار وثوار الجزائر ، ولذلك أعلنوا ثورتهم في العام 1965 . وهذا باعترافهم هم أنفسهم ، وعلى رأسهم مروان البرغوثي . الذي صرح في العام 2010 ، بأن جبهة التحرير الوطني ، قد شكلت للقادة المؤسسين لفتح نموذجا يُحتذى به .

أمّا أبو إياد العضو المؤسس للحركة فيقول ، بأنهم كانوا مأخوذين بمسيرة الوطنيين الجزائريين ، الذين استطاعوا أن يشكلوا جبهة صلبة ، ويخوضوا المعركة ضد جيش قوي يفوق جيشهم ألف مرة . كما أن حرب العصابات ، التي انتهجها الجزائريون في كفاحهم التحرري ، قد أفادت كثيرا الثورة الفلسطينية وهذا بشهادة أبو إياد دوما . وبعد هذا يأتي جاهل أو متجاهل ، ويتساءل عمّا قدمته الجزائر لفلسطين .

وياسر عرفات حينما زار الجزائر قبيل 1965 وتجول في شوارعها ، فإنه ُصرح بأن الغزاة الصهاينة سيخرجون من فلسطين ، وأن الشعب الفلسطيني راجع لا محالة لدياره . ولذلك فقد غادرها وهو عازم ، على تفجير الكفاح المسلح الفلسطيني . وفي نفس السياق فإن السفير السابق لدولة فلسطين بالجزائر شاهين أبو العز ، يؤكد من أنه لولا الثورة الجزائرية لما تأسست حركة فتح . لأن الثورة الجزائرية كانت ملهمة وسببا أساسيا في تأسيسها . وهذه الثورة كانت ، تكبر أكثر وأكثر في عينه ” ياسر عرفات ” كلما زار الجزائر وتجول في شوارعها . كما ذكر بأنه كلما اشتدت عليه الظروف وتضاءل الأمل ، كان يبرمج زيارة إلى الجزائر ، ليأخذ جرعة من الأمل والعزيمة والإصرار ” .

أمّا على الصعيد العسكري ، فإننا نجد بأن الجزائر قد شاركت بفعالية في كل الحروب العربية الاسرائيلية ، بداية من حرب 1948 . فعلى الرغم من أن الجزائريين وطنهم ،لا يزال يرزخ تحت نير الاستعمار ، إلا أنهم شاركوا في هذه الحرب كمتطوعين . أما في حرب 1967 ، فقد شاركت الجزائر بلواء مشاة بقيادة المقدم عبد الرزاق بوحارة ، ويوسف بن صيد قائد الدبابات ، وعبد الحميد شريف قائد مسؤول المدفعية . كما قامت بإرسال 22 طائرة ، اشتركت في القتال بعد تدمير سلاح الجو المصري ، وخصصت جزء من ميزانيتها لمواجهة أي طارئ . وقام هواري بومدين ، بتقديم صك للاتحاد السوفياتي بقيمة مفتوحة ، لتوفير الأسلحة اللازمة لمصر دعما لقتالها ضد الصهاينة . وفي حرب 1973 ، فقد أرسلت سرب طائرات من طراز ميغ وسوخوي ، للمشاركة في القتال مع دفع مبلغ 800 مليون دولار ، للاتحاد السوفياتي لتوفير حاجيات مصر وسوريا من الأسلحة . مع التأكيد على عدم القاء الأسلحة إلا بعد عودة الحقوق لأصحابها ، وعلى رأسها الحقوق الفلسطينية المسلوبة . والأرشيف وحده سيكشف ، عدد الجزائريين . الذين اعتقلتهم سلطات الاحتلال ، كما حدث في العام 1988 مع أربعة منهم . ممن اتجهوا لفلسطين المحتلة ليكونوا محررين لأراضيها ، لا كسياح العار الذين أوكلت لهم مهمة تلميع صورة الكيان الغاصب واعطائه شرعية مزيفة . ويكفي الجزائر فخرا ، بأنها الدولة الوحيدة . التي سمعنا بعض أفراد جيشها يرددون ، شعار الموت لإسرائيل أثناء التدريبات . وبغض النظر عن صحة هذا الخبر ، فإنه يبقي صحيحا من الناحية النظرية ، لأن هذه هي عقيدة كل جزائري حرّ . وبعد هذا يأتي ، نقولها بحسرة ومرارة من بين إخواننا العرب . من يزايد على الجزائر والجزائريين ، ويتهمهم بالمتاجرة بالقضية الفلسطينية ؟ .

كما يكفي الجزائر فخرا ، من أنها وقبيل اندلاع الثورة الفلسطينية . أمرت بتسليم كل الأسلحة الموجودة في مخازنها ، الموجودة في ليبيا وسوريا وغيرهما من البلاد العربية لقيادة فتح . كما أن أول عتاد عسكري ، يصل الثورة الفلسطينية في سوريا كان من الجزائر . وقبل هذا فإن الجزائر ، كانت في مقدمة البلدان التي اعترفت بمنظمة فتح في العام 1965 ، بوقت قصير بعد تاريخ الاعلان الرسمي عن ميلادها ( جانفي من نفس العام ) . ثم تم تعيين سعيد السبع ممثلا لها في صيف السنة ذاتها . تلاها مباشرة تخرج أول دفعة عسكرية فلسطينية ، من كلية شرشال العسكرية في العام 1966 . أما مكتبها ( فتح ) في الجزائر فسوف يتحول إلى سفارة دولة فلسطين .

وفي العام 1975 وبرعاية الجزائر ، فقد تم اصدار القرار الأممي رقم 3379 ، القاضي باعتبار الصهيونية حركة عنصرية . وكما هو معلوم للجميع ففي 15 نوفمبر 1988 ، أعلن عن قيام دولة فلسطين من الجزائر ، التي كانت أول دولة تعترف بها . كما أن الجزائر وبشهادة مروان البرغوثي ، قد فتحت لحركة فتح أبواب ، العلاقات الدولية مع الصين الشعبية وحركات التحرر في أسيا وإفريقيا .

أما فيما يخص الدعم المالي فتكفينا هنا ، شهادة أمين سر اللجنة المركزية لمنظمة فتح . الذي صرح عقب التوقيع على ما يسمى باتفاقية أبرهام ، بأن كل الدول العربية قد أوقفت الدعم المالي لفلسطين باستثناء الجزائر . ولا داعي هنا لذكر المبالغ ، التي تخصصها سنويا لإخواننا في فلسطين زيادة عن المساعدات العينية . وهذا واجب لا تنتظر من ورائه ، حمدا أو شكرا .

وكل ما سبق ذكره ما هو إلا وفاء للمبدأ الثابت ” مع فلسطين ظالمة أو مظلومة ” . ولذلك فإن قادة الجزائر المستقلة ، أعلنوها صراحة في العام 1962 . من أن استقلال الجزائر لن يكتمل ، إلا بتحرير فلسطين وما دعمها اللامشروط ، إلا تجسيدا لهذه المبادئ على أرض الواقع . ولهذا نقول بكل اطمئنان ، بأن ما قدمته الجزائر لفلسطين لا يفهمه ، من لم تكن له ثورة كثورتها ، إنها أمور يفهمها الثوار والأحرار دون سواهم من بقية الخلق والبشر ، وهي أمور لا تباع ولا تشتري ، ولو بما في خزائن قارون . 

أما من يُعيب على الجزائريين ، دعم فلسطين عبر مواقع التواصل الاجتماعي ، أو خلال المباريات الرياضية . فهذه الأعمال لا تقل أهمية عن رفع السلاح ، في وجه الصهاينة المغتصبين . لأن المعركة ومع كل أسف ، يعرف أعدائنا ميادينها جيدا . فالحرب تدار على صفحات الجرائد ووسائل الاعلام بمختلف أنواعها ، وملاعب كرة القدم ، وفي ساحات المناقشات الأكاديمية . لأنك قد تكسب المعركة العسكرية ، ولكن إن خسرتَ المعركة السياسية أو الاعلامية أو الأكاديمية ، فقد تخسر كل شيء . ولربما لاعب كرة قدم يقدم لفلسطين ، ما لم تقدمه جيوش بأكملها ، ولو كانت المعركة معركة سلاح لانتصر نظام الأبارتيد في جنوب إفريقيا ، أو الاتحاد السوفياتي على أعدائه . وإن غدا لناظره لقريب .

وأخيرا نقول بأن الدعم الجزائري لفلسطين والأقصى ، ليس وليد اليوم ، وإنما هو ضارب في أعماق التاريخ . ووقوفهم أثناء حقبة الحروب الصليبية إلى جانب الأرض المباركة ، ودورهم الفعال في تحريرها ، لا يزال ماثلا إلى غاية اليوم . ولكن المجال لا يتسع في مقالنا هذا للتوسع فيه ، ولربما يكون موضوع مقالة قائمة بحد ذاتها في قادم الأيام .

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق