أقلام

انتخاب المجالس المحلية وتحقيق التنمية المحلية في الجزائر…ليس غدا

أ.د. نورالدين حاروش من كلية العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة الجزائر 3

         أسندت للمجالس الشعبية البلدية والولائية منذ النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي، مهام وصلاحيات كثيرة من الناحية النظرية على الأقل، ومنحها الشخصية المعنوية والذمة المالية قصد تحقيق التنمية المحلية وذلك من خلال المشاريع والبرامج التي تعدها الإدارة المركزية (مدونة المخططات والبرامج) وتقدمها لهذه المجالس كمبادرة منها لاختيار البرنامج والمخطط المناسب وفق مجموعة من المعايير والمعطيات والأولويات… تنوعت  هذه البرامج في مجالها الجغرافي، فمنها ذات الطابع المحلي كالمخططات البلدية للتنمية ومنها ما هو قطاعي كالمخططات القطاعية للتنمية ومنها ما هو وطني وموضوعاتي وحتى تنمية المناطق الحدودية… بالإضافة إلى البرامج التنموية الاقتصادية الداعمة لمسار التنمية المحلية مع رصد إعتمادات مالية معتبرة  لتجسيدها.

وكانت تعهد لهذه المجالس الشعبية المنتخبة مهمة تجسيد هذه البرامج على أرض الواقع ومن خلالها تحقيق التنمية المحلية المنشودة، ولكن بعد عقود من الزمن استيقظنا على بروز مناطق الظل كمحصلة وكنتيجة لهذه المخططات وهذه المجالس؟ الأمر الذي أدى برئاسة الجمهورية إلى تعين مستشار لدى رئيس الجمهورية مكلف بملف مناطق الظل، وهذا تعبيرا ضمنيا عن فشل وعجز البرامج التنموية المحلية ومن يقف وراءها من المسؤولين المحليين.

وطبقا لما هو محدد في المادة 107 من قانون البلدية 11 / 10 على سبيل المثال، يعد المجلس الشعبي البلدي برامجه السنوية والمتعددة السنوات بعدما يصادق عليها ويسهر على تنفيذها تماشيا مع الصلاحيات المخولة له في إطار المخطط الوطني للتهيئة والتنمية المستدامة للإقليم وكذا المخططات التوجيهية القطاعية، وهناك نوع معين من المشاريع التنموية يسمح بإنجازها في إطار المخطط البلدي للتنمية، وأي مشروع يقترح من طرف المجالس الشعبية البلدية لا يندرج ضمن مدونة مشاريع المخطط البلدي للتنمية يرفض، وتندرج  مدونة مشاريع المخطط البلدي للتنمية في اختصاصات وصلاحيات الجماعات المحلية التي خولها لها قانون البلدية 11/10 والتي تشمل التهيئة والتنمية، والتعمير والهياكل القاعدية والتجهيز، ونشاطات البلدية في مجال التربية والحماية الاجتماعية والرياضة والشباب والثقافة والتسلية والسياحة، والنظافة وحفظ الصحة والطرقات البلدية.

المجالس المحلية يتم انتخابها كما هو معلوم من طرف سكان الوحدة المحلية وذلك باختيار أعضاء المجلس البلدي والولائي الممثل لوحدتهم المحلية بأنفسهم، ويعتبر هذا الأسلوب الأصل في تشكيل المجالس المحلية، ويعد هذا الأسلوب أكثر ديمقراطية من غيره من الأساليب وأكثر تعبيرا عن إرادة سكان الوحدة المحلية، غير أن ما يعاب على هذا الأسلوب أنه قد يفرز أشخاص تنقصهم الكفاءة  والخبرة الإدارية لعضوية هذه المجالس. هذا يعني أن الانتخاب هو أداة النظم الديمقراطية فلا يمكن تصور نظام ديمقراطي بدون انتخابات، ولكن هذه الانتخابات ليس كما يعتقدها المواطن، فالانتخاب كفعل يختلف عنه كمفهوم،

عادة ما تشير الانتخابات إلى العملية الرسمية لاختيار شخص لتولي منصب رسمي، ومن المهم التمييز  بين شكل الانتخابات ومضمونها، ففي بعض الحالات توجد الأشكال الانتخابية ولكن يغيب المضمون الانتخابي مثل حالة عدم توفر الخيار الحر وغير المزيف للاختيار بين بديلين على الأقل، بالرغم من هذا نجد معظم دول العالم تقيم الانتخابات على الأقل بشكل رسمي ولكن في العديد من الانتخابات تكون غير تنافسية (مثلا يحظر على جميع الأحزاب المشاركة باستثناء حزب واحد)

و الانتخاب كما تصفه المعاجم والقواميس هو الاختيار، والاختيار هو ترجيح أحد الأمرين أو الأمور على الأخر، بصورة إرادية وحرة وإذا اضطر الإنسان إلى إرادة شيء لم يسم ذلك اختيارا لأن الاختيار خلاف الاضطرار، لذا يمكن القول إن الاختيار هو المعبر عن حرية الإرادة المعبرة عن الرضا،  ومن حيث تعريف الانتخاب  لفظا فهو القصد الى الفعل وتفضيله على غيره، أما من حيث الاصطلاح فهو  طريقة يختار فيها المواطنون أو بعضهم من يرضون به ويتوصل من خلالها لتحديد المستحق للولاية أو المهمة المنتخب فيها، والانتخاب هو اختيار الأمة لوكلاء ينوبون عنها، ويقصد بـ(الاختيار) النتيجة أو الطريقة والوسيلة المستخدمة في الانتخاب.

من المفروض أن ناتج أو محصلة الانتخاب هي النخبة، وجمعها النخب، ففي النظرية السياسية يقال النخبة هي مجموعة صغيرة من الأشخاص المسيطرين على موارد مالية ضخمة وقوة سياسية تأثيرية كبيرة، بشكل عام… والنخبة تعني عموما مجموعة من الأشخاص الأكثر قدرة من غيرهم.

لكن التساؤل يبقى في كيفية وصول هذه النخبة إلى مقاليد الحكم؟ هل بفعل الانتخاب؟ وهو ما يجب أن يكون إذا كانت تتوافق مع مصطلح النخبة، نخبة القوم أخيارهم؟ أم أنهم وصلوا إلى مقاليد الحكم بطرق أخرى وحتى وان استعملت فيها الانتخابات كآلية إلا إن  هذه النخبة المزعومة تفتقر لشروط ومواصفات النخبة التي يفرزها الانتخاب الحقيقي؟؟ أليست النخبة هي المختار من كل شيئ؟ فنخبة المجتمع  من المفروض هم المختارون من المجتمع الذين لهم مؤهلات ومواصفات معينة تجعلهم محل الانتخاب والاختيار، لكن نتائج ممارسة حق الانتخاب ليست بالضرورة موافقة مع مضمونه العلمي.

إن نتائج الانتخابات التي تعتبر الأداة الرئيسية في الأنظمة الديمقراطية والتي عموما تكون غير المنتظرة اعتمادا على مضمون المفهوم العلمي القائم على الاختيار والمفاضلة والصفوة وغيرها، فإن الديمقراطية الغربية وأهميتها كنظام حكم قائم على الاختيار أو الانتخاب بالأغلبية لم يكن محل إجماع حتى في اليونان، منشأ الديمقراطية التقليدية، ليس من طرف العامة فقط، ولكن من طرف أشهر الفلاسفة الذين تغنت بهم اليونان واعتبرت أنها أنجبت للإنسانية ثلاثة فلاسفة عباقرة لم ولن تنجبهم أية امة من قبل وهم سقراط وأفلاطون وأرسطو…

الديمقراطية لم تكن محل ترحيب نتيجة طغيان رأي الأغلبية في بعض الأمور الحساسة كممارسة الحكم وإخضاعه لمن لا يستحقونه أو لمن لا تتوفر فيهم المؤهلات اللازمة لذلك، ونتيجة لعملية الانتخاب أو الاختيار تتدخل عوامل أخرى غير منطقية يمكن أن ترجح الكفة لجاهل أو أمي ليتولى منصب الحاكم.

في يوم 27 نوفمبر من سنة 2021 أجريت انتخابات محلية (ولائية وبلدية) بالجزائر لتجديد المجالس الشعبية المنتخبة في ظل قانون الانتخابات الجديد القائم على انتخاب الأشخاص ضمن القائمة المفتوحة، وبهذا الإجراء انتهت الممارسات السابقة التي كانت تقوم بها الأحزاب السياسية في ترتيب القوائم وما رافق ذلك من مساومات ومال سياسي فاسد ومحاباة ومحسوبية وغيرها، وقد ثمن الشعب الجزائري هذا الإجراء اعتقادا منه أن المجالس التي يفرزها الصندوق ستكون هذه المرة مؤهلة وذات كفاءة وتتمكن من تحقيق التنمية المحلية…أو على الأقل كان هذا أمله..

فعلا تقدمت الأحزاب والقوائم الحرة بنخبة مرشحيها ووضعتهم في قائمة مفتوحة بدون رأس القائمة كما كان في السابق، فالكل رأس القائمة؟ وتمت الحملة الانتخابية وفق الشروط والإجراءات القانونية وجاء يوم الحسم؟؟

للأمانة فقد زالت من أذهان الأفراد والتكتلات السياسية على اختلافها العبارات التقليدية مثل التزوير الذي كانت تمارسه السلطة لصالح جهات معينة، والتي كانت ترافق كل عملية انتخابية في ظل النظام الانتخابي السابق والقائم على الأغلبية النسبية على القائمة المغلقة، وكان المواطن ينتظر مخرجات الصندوق بشوق وترقب لأن النظام الانتخابي يسمح للمواطن بانتخاب الشخص المناسب الذي لديه مواصفات معينة تمكنه من تحقيق أماله المتمثلة في التنمية المحلية، لكن إفرازات الصندوق لم تكن في مستوى تطلعات المواطن والانتخاب لم يكن كما يتضمنه مفهومه العلمي، بل الصندوق افرز مجالس لا ينطبق عليها المفهوم العلمي والدقيق للانتخاب، فهل نسمي هذا انتخاب؟؟

أمر الانتخاب في الحقيقة لا يخص دولة بعينها بل يكاد يكون سمة الديمقراطية المزيفة التي توهم الناس بان الانتخاب أداتها ومخرجات العملية الانتخابية هو ما اتفق عليه رأي الأغلبية ورأي الأغلبية المرجح هو الصائب؟؟ وهذا بهتان أخر لأن الرأي الصائب والسديد يمكن أن يكون من طرف شخص واحد، أليست الأغلبية في القران الكريم ضالة؟؟

هل يمكن تصور قائمة حزبية دخلت غمار الانتخابات المحلية الولائية بقائمة تضم أربعة دكاثرة (أساتذة جامعيين) مختصين في السياسة والإدارة والاقتصاد… ولم يتم انتخاب أي واحد منهم؟ فهل يمكن من اليوم الحديث عن الانتخاب وهو اختيار الأحسن والأفضل والمؤهل وكل العبارات الأخرى…

الأمر الأخر للديمقراطية أنها لا تعرف الإقصاء، فلكل فرد له الحق في الترشح والانتخاب وغيرها ولكن نتائج الديمقراطية غير مضمونة من حيث الجودة والكفاءة، ومن جهة أخرى يمكن أن تعهد لمخرجات هذه الانتخابات مهمة تحقيق التنمية علما بان التنمية عملية مقصودة ومخططة تتطلب إمكانيات مادية وبشرية قادرة على تجسيدها، فكيف يمكن إذن التوفيق بين طرفي هذه المعادلة: التنمية مقصودة ومن ينفذ مشاريع التنمية غير مقصود وغير متأكد من مؤهلاته وقدراته…

عموما نقول في الأخير أن النظام الديمقراطي هو أفضل الأنظمة السيئة… وانه بعد خمس سنوات من الآن سنستيقظ على مناطق الظل مربع بلغة الرياضيات،  وتحقيق التنمية المحلية ليس غدا… وعليه فمن الغباء الاستمرار في هذا الاجترار وهذه العملية الروتينية…

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق